هل توجد انقسامات داخل النظام الإيراني رغم مشهد الوحدة في جنازة علي خامنئي؟

غياب لافت لمجتبي خامنئي في مراسم تشيع جنازة والده

أظهرت مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي مشهدًا من التماسك الظاهري بين أركان النظام الإيراني، إلا أن غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن الظهور العلني، للمرة الأولى منذ توليه المنصب في مارس الماضي، أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن حجم الخلافات داخل دوائر الحكم في طهران.


وشارك في مراسم التشييع كبار المسؤولين والقادة العسكريين، الذين لم يظهروا معًا منذ أسابيع، يتقدمهم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية، إلى جانب قيادات بارزة في الحرس الثوري، في مشهد حرصت السلطات الإيرانية على تقديمه باعتباره رسالة تؤكد وحدة النظام واستمرار مؤسساته.


لكن غياب مجتبى خامنئي طغى على المشهد، وسط تقارير تحدثت عن احتدام الصراع داخل المعسكر المحافظ بشأن إدارة الدولة، خاصة في ما يتعلق بمستقبل المفاوضات مع واشنطن.


وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، نقلًا عن مسؤولين إيرانيين، أن غياب الشخصية التي كانت تحتكر القرار النهائي في البلاد أدى إلى اتساع الخلافات داخل النظام، وانقسام التيار المحافظ إلى جناحين رئيسيين.


ويضم الجناح الأول، الذي يوصف بالبراغماتي، الرئيس بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر، بدعم من قيادات في الحرس الثوري، ويؤيد هذا التيار التوصل إلى اتفاق شامل مع واشنطن يتضمن تثبيت وقف إطلاق النار ورفع الحصار البحري، في محاولة لإنقاذ الاقتصاد الإيراني.


في المقابل، يتمسك جناح متشدد برفض أي تنازلات سياسية أو نووية للولايات المتحدة، ويدعو إلى مواصلة المواجهة العسكرية، متهمًا الفريق التفاوضي بالتفريط في مصالح البلاد.


ضغوط اقتصادية وراء التفاوض

وبحسب أربعة مسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة، فإن مجتبى خامنئي وافق من حيث المبدأ على المضي في التفاهمات مع واشنطن تحت وطأة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.


وأضافت المصادر أن الرئيس مسعود بزشكيان أبلغ المرشد الجديد، خلال اجتماع مغلق، بأن الحصار البحري الأمريكي أصاب الاقتصاد بالشلل، ولوّح بتقديم استقالته حال رفض الاتفاق.


كما نقلت الصحيفة أن محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي حذر من احتمال نفاد مخزونات السلع الغذائية والأدوية الأساسية بحلول نهاية أغسطس المقبل، في ظل صعوبة تصدير النفط وتعثر إيجاد قنوات تجارية بديلة.


وأشارت المصادر إلى أن المجلس الأعلى للأمن القومي صوّت بأغلبية 12 صوتًا مقابل صوت واحد لصالح قبول الاتفاق، والبدء في محادثات مباشرة مع مسؤولين أمريكيين، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس.


قيادة جماعية وصراع داخل مؤسسات الدولة

ولفت التقرير إلى أن إيران تشهد تحولًا تدريجيًا نحو نمط من القيادة الجماعية، مقارنة بمرحلة علي خامنئي التي اتسمت بتركيز القرار في يد المرشد.


وفي هذا السياق، قال نائب رئيس الجمهورية للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه، خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين، إن رأي المرشد الجديد "يخضع للنقاش والدراسة مثل آراء بقية المسؤولين"، متسائلًا: "إذا كان المطلوب تنفيذ رأي المرشد فقط، فلماذا يوجد برلمان ومجلس أعلى للأمن القومي؟".


وتزامن ذلك مع تصاعد الخلافات داخل مؤسسات الدولة، بعدما قطع التلفزيون الرسمي البث المباشر أثناء حديث محمد باقر قاليباف عن تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار، بالتزامن مع استمرار الهجمات الإعلامية ضد الفريق المفاوض.


كما أظهرت مقاطع مصورة تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لهتافات معادية ومضايقات من بعض الزوار الإيرانيين خلال وجوده في العراق للمشاركة في مراسم التأبين.


مخاوف أمنية

وفيما يتعلق باستمرار غياب مجتبى خامنئي، قالت مصادر عسكرية إيرانية إن الدافع الرئيسي يعود إلى مخاوف أمنية كبيرة.


وأضافت أن الأجهزة الأمنية رفضت طلبًا تقدم به المرشد الجديد لإمامة صلاة الجنازة في مدينة مشهد، والمقررة في 9 يوليو، خشية تعرضه لمحاولة اغتيال أو كشف مكان إقامته السري.


ويرى مراقبون أن الاختبار الحقيقي لأسلوب إدارة مجتبى خامنئي سيكون بعد انتهاء مراسم التشييع، مع صدور قرارات تعيين قيادات جديدة في عدد من المناصب الحساسة، تشمل رئاسة السلطة القضائية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، وقوات الباسيج، ورئاسة مكتب المرشد، وهي تعيينات قد تكشف اتجاهات القيادة الجديدة داخل النظام الإيراني.