كتبت شيماء حمدالله
تضع النتائج الأولية للانتخابات التشريعية الإسرائيلية الرئيس إسحاق هرتسوج أمام معضلة سياسية معقدة، بعدما تقدم معسكر بنيامين نتنياهو بحصوله على 54 مقعدًا، دون الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، مقابل 49 مقعدًا للمعارضة و17 مقعدًا للقوائم العربية.
وتفتح هذه الأرقام الباب أمام مفاوضات صعبة بشأن هوية المرشح المكلف بتشكيل الحكومة المقبلة، في ظل تباين المواقف وصعوبة بناء تحالف برلماني يضمن الحصول على ثقة الكنيست.
ولا يلزم النظام السياسي الإسرائيلي هرتسوغ بتكليف زعيم الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد، إذ يعتمد القرار على تقدير فرص المرشحين في جمع الدعم البرلماني اللازم.
وبين استمرار نتنياهو في قيادة الحكومة المحتملة ومحاولة المعارضة الالتفاف حول غادي آيزنكوت، تبدو حسابات تشكيل الائتلاف أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع الخلاف بشأن إمكانية التعاون مع الأحزاب العربية.
ما صلاحيات الرئيس الإسرائيلي في اختيار رئيس الحكومة؟
يؤدي الرئيس الإسرائيلي دورًا شرفيًا في معظم الأوقات، لكن صلاحياته تكتسب أهمية سياسية بعد الانتخابات العامة، عندما يستمع إلى توصيات قادة الأحزاب بشأن الشخصية التي يرونها الأنسب لتولي رئاسة الحكومة، ثم يختار المرشح الذي يكلفه بمحاولة تشكيل ائتلاف حاكم.
ويصوت الإسرائيليون للأحزاب والقوائم الانتخابية، وليس للأفراد مباشرة، لذلك تتحدد هوية رئيس الحكومة المحتمل بعد فرز الأصوات وتوزيع مقاعد الكنيست، وفقًا لموازين القوى بين الكتل السياسية.
ولا يمنح النظام الانتخابي زعيم الحزب المتصدر حقًا تلقائيًا في رئاسة الحكومة، بل يتيح للرئيس اختيار المرشح الذي يعتقد أن لديه فرصة أكبر للحصول على دعم الأغلبية البرلمانية.
وظهر ذلك في انتخابات عام 2009، عندما كلف الرئيس الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة، رغم حصول حزب كاديما الوسطي على أصوات أكثر من حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو.
نتنياهو أم آيزنكوت.. من يستطيع تشكيل الحكومة؟
تتمثل المعضلة الأساسية أمام هرتسوج في تحديد المرشح الذي يمتلك فرصًا أفضل لتشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست، في وقت لا تمنح فيه النتائج الأولية أيًا من المعسكرين القدرة على الحكم منفردًا.
فمعسكر نتنياهو، الذي يضم أحزابًا يمينية ويمينية متطرفة، حصل على 54 مقعدًا، وهو ما يجعله بحاجة إلى دعم إضافي للوصول إلى عتبة الأغلبية البالغة 61 مقعدًا من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست.
في المقابل، حصلت المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، على 49 مقعدًا، ما يفرض عليها البحث عن تحالفات مع قوى أخرى، وفي مقدمتها الأحزاب العربية التي أظهرت النتائج الأولية حصولها على 17 مقعدًا.
لكن تشكيل مثل هذا التحالف لا يبدو محسومًا، إذ لم يتفق قادة المعارضة على إقامة شراكة حكومية مع الأحزاب العربية، بينما استبعد نتنياهو إشراك هذه الأحزاب في ائتلافه.
ويعني ذلك أن كلا المعسكرين يحتاج إلى تفاهمات سياسية إضافية لتأمين الأغلبية المطلوبة.
الأحزاب العربية ودورها في حسم تشكيل الحكومة
تكتسب المقاعد الـ17 التي حصلت عليها القوائم العربية أهمية خاصة في حسابات تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، نظرًا إلى تقارب عدد المقاعد بين معسكري نتنياهو والمعارضة، وعدم امتلاك أي منهما أغلبية مستقلة.
وفي هذا السياق، دعا رئيس القائمة العربية المشتركة إلى إقامة «شراكة يهودية عربية حقيقية» للإطاحة بنتنياهو، في موقف يعكس استعدادًا لطرح بديل سياسي، لكنه لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن المشاركة في حكومة تقودها المعارضة.
وتظل قدرة الأحزاب العربية على التأثير في المفاوضات مرتبطة بمواقف قادة الكتل الأخرى وشكل التفاهمات التي يمكن التوصل إليها، فضلًا عن طبيعة الحكومة التي قد تتشكل والضمانات السياسية التي ستقدم للأطراف المشاركة أو الداعمة لها.
خلافات نتنياهو مع الحلفاء تضيف ضغوطًا على هرتسوج
لا تقتصر حسابات الرئيس الإسرائيلي على توزيع المقاعد البرلمانية، بل تمتد إلى الانقسامات السياسية الداخلية والانتقادات الدولية التي واجهها ائتلاف نتنياهو، الذي وصفته تقارير بأنه الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل.
ووفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، أثارت سياسات الائتلاف انتقادات دولية وأسهمت في زيادة التوتر مع بعض الحلفاء، إلى جانب تعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.
وكان هرتسوج قد انتقد مرارًا ما وصفه بعملية تحول إلى الوحشية داخل المجتمع الإسرائيلي، مشيرًا إلى عنف المستوطنين وإساءة معاملة المحتجزين، وهي ممارسات اتُهم بعض الوزراء المنتمين إلى اليمين المتطرف في ائتلاف نتنياهو بتشجيعها.
كما تعرض الرئيس الإسرائيلي لضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعفو عن نتنياهو، الذي يواجه محاكمة في قضايا فساد، لكن هرتسوج قاوم هذه الضغوط، في ملف أضاف بُعدًا آخر إلى علاقته برئيس الحكومة.
ماذا تعني النتائج الأولية لمستقبل الحكومة الإسرائيلية؟
أظهرت النتائج الأولية، بعد فرز نحو 70% من الأصوات وفق التحديث الوارد عن لجنة الانتخابات المركزية، حصول معسكر نتنياهو على 54 مقعدًا، مقابل 49 للمعارضة و17 للقوائم العربية.
وتشير هذه الأرقام إلى تقدم معسكر نتنياهو من حيث عدد المقاعد، لكنها لا تمنحه الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة بمفرده. وفي المقابل، لا تملك المعارضة العدد الكافي لتشكيل حكومة دون التوصل إلى تفاهمات مع قوى أخرى.
وبذلك، يواجه هرتسوج قرارًا يتطلب الموازنة بين نتائج الانتخابات وتوصيات الأحزاب وفرص كل مرشح في جمع الدعم البرلماني.
وحتى مع تكليف أحد المرشحين بتشكيل الحكومة، لا يوجد ضمان لنجاحه في المهمة، ما يجعل المفاوضات والتحالفات السياسية عاملًا حاسمًا في تحديد شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.



