كتبت شيماء حمدالله
تتابع طهران انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي، المقررة في 3 نوفمبر 2026، باهتمام يتجاوز التصريحات الرسمية التي تقلل من تأثيرها على حسابات السياسة الإيرانية. فبينما تؤكد الخارجية الإيرانية أن مصالح البلاد الوطنية هي المحدد الوحيد لمواقفها، تكشف تصريحات مسؤولين إيرانيين وتحليلات وسائل الإعلام المحلية وتقارير أميركية ودولية عن رهان متزايد على انعكاسات نتائج الانتخابات في مستقبل المواجهة مع واشنطن.
وتراهن حسابات إيرانية على أن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس قد تضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام ضغوط سياسية ورقابية أكبر، وتحد من قدرته على تسويق الحرب داخلياً، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المواجهة واضطراب أسواق الطاقة. لكن خسارة الأغلبية البرلمانية لا تعني تلقائياً تقييد صلاحيات الرئيس العسكرية أو إجباره على وقف العمليات.
عراقجي ينفي اهتمام طهران بالانتخابات وبقائي يربطها باحتمالات الحرب
في 27 سبتمبر 2026، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال مقابلة مع شبكة NBC News الأميركية، أن طهران لا تهتم بالانتخابات الأميركية أو بالقضايا المرتبطة بها، مشدداً على أن مصالحها الوطنية وحدها تحدد مواقفها. وأعلن استعداد بلاده للدبلوماسية، إلى جانب الاستعداد لمواجهة «أي تحد أو عدوان».
وتكتسب تصريحات عراقجي أهمية لأنها جاءت رداً على سؤال مباشر بشأن انتخابات التجديد النصفي، وليس ضمن حديث عام عن العلاقات بين البلدين. فرغم نفي الاهتمام بالاستحقاق الانتخابي، أبقى الوزير احتمال المواجهة العسكرية حاضراً، بالتوازي مع تأكيد استعداد إيران للتفاوض.
وفي 25 أكتوبر الماضي، تناول المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، خلال مقابلة مع شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية ARD، تصريح ترامب بأنه لن يهاجم إيران قبل انتخابات منتصف الولاية.
وعندما سُئل عن مدى تصديقه لهذا التعهد، اعتبر أن التصريح يكشف أن مهاجمة إيران كانت جزءاً من الاستراتيجية الأميركية، مؤكداً ضرورة استعداد طهران لجميع الاحتمالات، ومشيراً إلى أن الولايات المتحدة سبق أن هاجمت بلاده خلال مسارات تفاوضية.
ويكشف حديث بقائي عن حضور الانتخابات الأميركية في النقاش الإيراني بشأن توقيت أي هجوم محتمل، حتى مع تجنب المسؤولين إعلانها عاملاً حاسماً في تحديد قرارات طهران.
إيران تراهن على خسارة الجمهوريين وإضعاف ترامب
في 17 أكتوبر، نشر وزير الخارجية الإيراني الأسبق والنائب في البرلمان منوجهر متكي مقالاً توقع فيه هزيمة الجمهوريين، ووصف يوم الانتخابات بأنه «يوم مرير لترامب وفريقه». واعتبر أن نتائج التصويت ستكشف حجم التراجع السياسي الذي يواجه الرئيس الأميركي، وأن الانتخابات تمثل فرصة لمحاسبة إدارته على الحرب وتداعياتها.
وبعد يومين، نشرت صحيفة «كيهان» مقالاً للكاتب المحافظ سعد الله زارعي، تناول فيه تأثير الحرب على الرأي العام الأميركي، رابطاً بين موقف الناخبين من المواجهة العسكرية وفرص الجمهوريين الانتخابية.
واستند زارعي إلى استطلاع نسبه إلى مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، مستعرضاً أرقاماً بشأن رفض الأميركيين تكاليف الحرب ومواقفهم من استمرارها، وهي بيانات لم يتسنَّ التحقق المستقل من صحتها.
وتعكس هذه المواقف توجهاً لدى التيار المحافظ الإيراني لتقديم انتخابات نوفمبر باعتبارها اختباراً سياسياً لأداء ترامب، وفرصة لإظهار أن الحرب لم تحقق النتائج المعلنة، وأن تكاليفها قد تتحول إلى عبء على الجمهوريين.
ولا يقتصر الرهان الإيراني على احتمالات خسارة الأغلبية، بل يمتد إلى ما قد تفرضه النتائج من رقابة برلمانية وتحقيقات وضغوط سياسية على الإدارة الأميركية.
وفي هذا السياق، نشر موقع «نور نيوز»، القريب من أوساط المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في 29 أكتوبر، تحليلاً للكاتب والمحلل أمير علي أبو الفتح بعنوان «الانتخابات الأميركية وتأثيرها على الحرب مع إيران».
واعتبر التحليل أن انتخابات 3 نوفمبر ليست مجرد منافسة على مقاعد الكونجرس، بل اختبار لمدى رضا الأميركيين عن أداء إدارة ترامب. وأشار إلى أن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم قد تفتح المجال أمام رقابة برلمانية أشد وتحقيقات وضغوط سياسية على الرئيس.
لكن التحليل نفسه حذر من اعتبار خسارة الأغلبية نهاية تلقائية للعمليات العسكرية، نظراً إلى الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها الرئيس الأميركي في إدارة السياسة الخارجية والقيادة العسكرية.
الإعلام الإيراني يراقب الانتخابات ويربطها بمستقبل الحرب
امتد الاهتمام الإيراني بالانتخابات إلى التغطية الإعلامية، إذ خصصت وكالة «تسنيم» في 20 أكتوبر تقريراً مستقلاً تناول آليات التصويت وأهمية المنافسة على مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب المؤشرات السياسية والاقتصادية المؤثرة في الناخبين.
وفي 31 أكتوبر، نشر موقع «نور نيوز» تقريراً بعنوان «هل تؤثر هزيمة الجمهوريين على قرار ترامب؟»، استعرض فيه تقديرين متناقضين نقلهما عن مسؤولين أميركيين لم يسمهما.
فبينما رأى أحدهما أن نتائج الانتخابات لن تغير قرارات ترامب بشأن إيران، توقع الآخر أن تدفع خسارة الجمهوريين الرئيس الأميركي إلى إصدار أمر بعملية عسكرية ضد طهران.
ومن المهم التمييز هنا بين المواقف الإيرانية والتقديرات الأميركية التي نقلها الموقع؛ فالتصريحات الواردة في التقرير لم تصدر عن مسؤولين إيرانيين، وإنما استخدمها «نور نيوز» لعرض تضارب التوقعات بشأن مرحلة ما بعد الانتخابات.
أما المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حسين محبي، فتحدث خلال مؤتمر صحافي في 29 سبتمبر عن رسالة وجهها الحرس إلى الشعب الأميركي، داعياً وسائل الإعلام إلى نقل مضمونها للرأي العام.
وركزت الرسالة على تكاليف الحروب الأميركية والإنفاق العسكري وانعكاس السياسات الخارجية على دافعي الضرائب، مع دعوة الأميركيين إلى مساءلة حكومتهم بشأن أولويات الإنفاق.
رويترز وواشنطن بوست تكشفان رهان طهران على الانتخابات
لم تقتصر المؤشرات على التصريحات والمقالات الإيرانية، إذ كشفت تقارير دولية عن حسابات أكثر مباشرة داخل طهران بشأن تأثير الانتخابات على قرارات واشنطن.
ففي 20 أكتوبر، نشرت وكالة رويترز تقريراً استند إلى تصريحات ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار ومصدر إيراني مطلع، تحدثوا جميعاً دون الكشف عن هوياتهم.
وأفاد التقرير بأن طهران تتعمد إطالة حالة الجمود في المفاوضات مع واشنطن، بهدف حرمان ترامب من تحقيق مكسب سياسي يمكن تقديمه للناخبين قبل انتخابات 3 نوفمبر.
ونقل عن أحد المسؤولين الإيرانيين قوله إن المؤسسة الحاكمة لا تريد منح الرئيس الأميركي انتصاراً سياسياً، بينما اعتبر المحلل الإيراني سعيد ليلاز أن إطالة المفاوضات تتيح لطهران التأثير في الانتخابات الأميركية دون القيام بعمل غير قانوني.
وفي 18 أكتوبر، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريراً تناول مساعي إيران لزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على ترامب قبل الانتخابات، من خلال رفع كلفة المواجهة واضطراب أسواق الطاقة والملاحة في مضيق هرمز.
وأشار التقرير إلى أن بعض المسؤولين الإيرانيين يأملون في إلحاق ضرر سياسي بترامب يشبه ما تعرض له الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر خلال أزمة الرهائن الإيرانية بين عامي 1979 و1981.
كما تناول حضور الانتخابات في وسائل الإعلام الإيرانية، وربط بعض الخطابات المحلية بين خسارة الجمهوريين وإمكانية زيادة الضغوط البرلمانية على الإدارة الأميركية.
وتعززت أهمية هذه الحسابات مع التحركات الدبلوماسية الأخيرة. ففي 31 أكتوبر، أفادت رويترز بأن مفاوضين إيرانيين عقدوا محادثات مع وسطاء قطريين في الدوحة، بعد أكثر من 12 ساعة من المشاورات بين الجانبين في طهران، سعياً للتوصل إلى مخرج للحرب وتجنب تجدد المواجهة بعد الانتخابات.
ونقلت الوكالة عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن ترامب لم يحسم قراره بشأن شن ضربات جديدة على إيران، وأنه يفضل تسوية الصراع دبلوماسياً، مع بقاء الخيار العسكري مطروحاً.
وتشير هذه التحركات إلى أن الانتخابات لا تنفصل عن مسار التفاوض، إذ تتزامن محاولات الوساطة مع مخاوف إقليمية من استئناف العمليات العسكرية الأميركية بعد انتهاء التصويت.
هل تقيد خسارة الجمهوريين صلاحيات ترامب العسكرية؟
رغم الرهان الإيراني على تراجع الأغلبية الجمهورية، فإن خسارة الحزب مقاعده في الكونغرس لا تعني بالضرورة فقدان ترامب قدرته على اتخاذ قرارات عسكرية ضد إيران.
فالرئيس الأميركي يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة، ولا يؤدي تغير موازين القوى داخل الكونغرس تلقائياً إلى وقف العمليات العسكرية أو سحب سلطة اتخاذ القرار من البيت الأبيض.
لكن خسارة الأغلبية قد تفرض قيوداً سياسية ورقابية إضافية، وتفتح المجال أمام جلسات استماع وتحقيقات برلمانية بشأن إدارة الحرب وتكاليفها، فضلاً عن تعقيد تمرير التمويلات والتشريعات المرتبطة بالعمليات العسكرية.
وتزداد أهمية هذا العامل مع تصاعد الأعباء الاقتصادية للحرب. فقد نقلت وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته قبل الانتخابات، تقديرات لوزارة الدفاع الأميركية بلغت تكلفة الحرب على دافعي الضرائب نحو 47.1 مليار دولار حتى 16 أكتوبر، وهو ما يضيف بُعداً اقتصادياً إلى النقاش السياسي الداخلي. AP News
وفي المقابل، قد يدفع تراجع الدعم السياسي الداخلي ترامب إلى محاولة إظهار الحزم في التعامل مع إيران، سواء عبر تحركات عسكرية أو ضغوط تفاوضية، لكن ذلك يظل احتمالاً لا يمكن اعتباره نتيجة حتمية للانتخابات.
انتخابات الكونجرس 3 نوفمبر تدخل حسابات الحرب والتفاوض
تكشف المواقف والتصريحات الإيرانية عن مفارقة واضحة في خطاب طهران. فبينما يؤكد عراقجي أن بلاده لا تكترث بالانتخابات الأميركية، وتتحاشى الخارجية الإيرانية تقديمها باعتبارها عاملاً محدداً للسياسة الوطنية، تظهر تصريحات إسماعيل بقائي ومقالات منوجهر متكي وسعد الله زارعي وتحليلات أمير علي أبو الفتح، إلى جانب التغطية الإعلامية المكثفة، أن نتائج التصويت حاضرة بقوة في الحسابات السياسية الإيرانية.
وتراهن طهران على أن خسارة الجمهوريين قد تزيد الضغوط الداخلية على ترامب، وتوسع رقابة الكونجرس على إدارته، وتحد من قدرته على تقديم الحرب باعتبارها نجاحاً سياسياً وعسكرياً.
كما تنظر إلى تكاليف المواجهة واضطراب أسواق الطاقة والملاحة في مضيق هرمز باعتبارها عوامل يمكن أن تزيد الضغوط على البيت الأبيض قبل الانتخابات وبعدها.
لكن هذا الرهان يواجه حدوداً واضحة؛ فخسارة الأغلبية الجمهورية لا تسلب ترامب صلاحياته التنفيذية والعسكرية، ولا تضمن تراجع واشنطن عن خياراتها تجاه إيران. بل إن تراجع الدعم السياسي الداخلي قد يدفع الإدارة إلى إعادة ترتيب أولوياتها بين التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي والمسار الدبلوماسي.
وبالتالي، لا تمثل انتخابات 3 نوفمبر بالنسبة إلى طهران مجرد استحقاق أميركي لتغيير تركيبة الكونغرس، وإنما محطة تتقاطع عندها حسابات الحرب والتفاوض والعقوبات وأسواق الطاقة.
وبينما تصر إيران علناً على عدم اكتراثها بالانتخابات، تكشف تصريحات مسؤوليها وتحليلات إعلامها والتقارير الدولية عن اهتمام واضح بنتائجها، ليس باعتبارها العامل الوحيد الذي سيحدد مستقبل المواجهة، وإنما باعتبارها ورقة مؤثرة في حسابات توقيت الحرب وكلفتها وفرص الوصول إلى تسوية مع واشنطن.



