لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 مجرد تغيير في موازين القوى داخل الكونجرس الأمريكي، ولم تكن مجرد انتصار انتخابي للحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري؛ بل كانت، في تقديري، لحظة سياسية فارقة ورسالة بالغة الدلالة إلى العالم بأسره، مفادها أن الشعوب لا تفقد قدرتها على تصحيح المسار، وأن الديمقراطية الحقيقية تظل قادرة على مقاومة النزعات الاستعلائية والعنصرية، مهما بلغت قوة أصحابها.
لقد جاء انتزاع الحزب الديمقراطي للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ بمثابة استفتاء شعبي واضح على أداء الرئيس دونالد ترامب وإدارته، وعلى السياسات التي دفعت الولايات المتحدة إلى حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي، وأثارت قلق حلفائها قبل خصومها، وأضعفت الثقة في دورها الدولي.
لقد قدم ترامب وفريقه السياسي نموذجاً مقلقاً لسياسة تقوم على التصعيد والتهديد وفرض الإرادة، بدلاً من الحوار والتفاوض واحترام قواعد العلاقات الدولية. كما ساهمت ممارساتهم في تقويض الثقة في الاتفاقيات الدولية، والتعامل مع الالتزامات السياسية باعتبارها أوراقاً قابلة للتغيير وفقاً للمصالح الآنية، لا تعهدات ينبغي احترامها.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس الخلاف السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين، فهذا أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي، وإنما الخطر الحقيقي يكمن في توظيف السلطة لتغذية الانقسام والعنصرية، وإعلاء منطق القوة على حساب القانون، وإشعال النزاعات بدلاً من البحث عن تسويات تحفظ أرواح البشر واستقرار الدول.
انتصار يتجاوز حدود الحزبين
إن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونجرس تحمل دلالة تتجاوز حدود المنافسة الحزبية؛ فهي تعيد الاعتبار إلى مبدأ التوازن بين السلطات، وتؤكد أن الرئيس، مهما امتلك من صلاحيات، ليس فوق المحاسبة، وأن الشعب الأمريكي لا يمنح تفويضاً مفتوحاً لأي رئيس لكي يتصرف دون رقابة أو مساءلة.
والأهم أن هذه النتائج جاءت في ظل حالة من الغضب الشعبي المرتبطة بتكاليف المعيشة والحرب والسياسات الداخلية والخارجية للإدارة الأمريكية، بما يعكس رغبة قطاعات واسعة من الناخبين في تغيير الاتجاه السياسي للبلاد.
مصريان يكتبان صفحة جديدة في التاريخ الأمريكي
ومن بين أكثر المشاهد التي أثارت اعتزازي الشخصي في هذه الانتخابات فوز شخصيتين أمريكيتين من أصول مصرية، هما الدكتور عبد الرحمن محمد السيد ، الذي فاز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، والدكتور آدم حماوي، الذي فاز بمقعد في مجلس النواب عن ولاية نيوجيرسي.
إن هذا الإنجاز لا يمثل مجرد نجاح لشخصين من أصول عربية ومصرية، بل يحمل رسالة حضارية بالغة الأهمية: أن الانتماء إلى أصول مهاجرة أو خلفية ثقافية مختلفة لا يمثل عائقاً أمام المشاركة في صناعة القرار في دولة تقوم، في جوهر فكرتها الديمقراطية، على التعددية وتكافؤ الفرص.
وبالنسبة لي شخصياً، أرى في هذا الفوز صفعة سياسية ومعنوية قوية في وجه العنصريين ودعاة الكراهية والإقصاء، وفي مقدمتهم كل من حاول تصوير المهاجرين أو المسلمين أو أصحاب الأصول العربية باعتبارهم مواطنين من درجة ثانية.
إن وصول شخصيتين من أصول مصرية إلى مؤسستَي التشريع الأمريكيتين، إحداهما مجلس الشيوخ والأخرى مجلس النواب، هو انتصار لفكرة المواطنة على حساب التعصب، وللكفاءة على حساب التمييز، وللتعددية على حساب الانغلاق.
أمريكا التي نريدها ليست أمريكا الحروب والانقسامات
لقد أضرت السياسات التي اتبعها ترامب وحلفاؤه بصورة الولايات المتحدة أمام العالم، وأثارت تساؤلات عميقة حول مدى التزامها بالقيم التي طالما دافعت عنها، وفي مقدمتها الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام القانون الدولي.
وليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تتحول صورتها الدولية إلى صورة دولة تستخدم قوتها للضغط والتهديد، أو تتعامل مع حلفائها بمنطق الإملاءات، أو تتجاهل مخاوف الشعوب وحقوقها.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الحروب، ولا إلى قادة يتنافسون في إطلاق التهديدات، وإنما يحتاج إلى قيادة سياسية تدرك أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة وجيوش، وإنما أيضاً بمدى احترامها للقانون، ومصداقيتها في تنفيذ تعهداتها، وقدرتها على بناء السلام.
رسالة أخيرة
لا أعتقد أن هذه الانتخابات تعني نهاية ترامب سياسياً، ولا أنها تمثل انتصاراً نهائياً للديمقراطيين، فالمعركة السياسية في الولايات المتحدة لا تزال مفتوحة، والرئيس ما زال يحتفظ بصلاحياته الدستورية.
ولكن ما حدث يؤكد حقيقة مهمة: لا أحد يستطيع أن يحتكر إرادة الشعب إلى الأبد، ولا يمكن لأي رئيس أن يتصور أن سلطته تمنحه الحق في تجاهل المؤسسات أو تجاوز القيم الديمقراطية.
إنني أرى في هذا التحول بارقة أمل، ليس فقط للأمريكيين، وإنما لكل من يؤمن بأن السياسة يجب أن تكون أداة لتحقيق السلام والاستقرار، لا وسيلة لإشعال الحروب وتأجيج الكراهية.
وأتمنى أن تكون هذه النتائج بداية لاستعادة أمريكا لدورها الإيجابي في العالم، وأن تدرك قيادتها أن احترام الشعوب والسيادة الوطنية والاتفاقيات الدولية ليس ضعفاً، وإنما هو جوهر القوة السياسية والأخلاقية لأي دولة عظمى.
فالعالم لا يحتاج إلى أمريكا أكثر قوة في فرض إرادتها، بل يحتاج إلى أمريكا أكثر احتراماً للعالم، وأكثر التزاماً بالقانون، وأكثر إيماناً بالسلام.
