ترامب في أنقرة.. هندسة أمريكية لصياغة "الناتو 3.0" وتقاسم أعباء الدفاع

ترامب وأردوغان
استقبل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، نظيره الأمريكي دونالد ترامب في العاصمة أنقرة، تمهيداً لانطلاق أعمال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي تنعقد وسط أجواء توصف بأنها الأكثر حرجاً وحساسية في تاريخ الحلف، حيث تتصدر أجندة الاجتماعات ملفات زيادة الإنفاق الدفاعي ومستقبل الدعم العسكري لأوكرانيا.

ولا تقتصر قمة أنقرة على بحث الصراعات الراهنة فحسب، بل تمتد لتناقش مستقبل الحلف نفسه، إذ تتجه الأنظار إلى مشروع إدارة ترامب لإعادة هندسة قواعد التحالف تحت مفهوم "الناتو 3.0"، وسط ضغوط أمريكية مكثفة لتقليص دور واشنطن العسكري في القارة العجوز، ومطالبات متزايدة للأوروبيين بتحمل مسؤولية أمنهم الجماعي وفق مبدأ تقاسم الأعباء.

​وفي المقابل، يسعى الحلفاء الأوروبيون إلى الإبقاء على انخراط الولايات المتحدة بعمق في الحلف، رغم إدراكهم المتزايد أن أوروبا ستضطر إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية في الدفاع التقليدي. وفي هذا السياق، يحاول الأمين العام للناتو، مارك روته، السير على خيط رفيع، حيث يدفع الدول الأوروبية لزيادة نفقاتها العسكرية لسد الفراغ الأمريكي المحتمل، مع الحرص على عدم اتخاذ خطوات تدفع ترامب للتخلي عن الحلف، خصوصاً وأن الأخير جدد انتقاداته العنيفة للحلف منذ عودته إلى البيت الأبيض، مكرراً أن بلاده لم تجنِ فائدة تُذكر رغم تحملها العبء المالي الأكبر، في وقت كشفت فيه مصادر مطلعة أن واشنطن تعتزم بالفعل خفض عدد مقاتلاتها المخصصة للناتو بمقدار الثلث، لتقتصر على 99 طائرة فقط.

​وتمثل مرحلة "الناتو 3.0" استراتيجية أمريكية لنقل عبء الدفاع التقليدي إلى القارة الأوروبية، مما يتيح لواشنطن توجيه مواردها العسكرية نحو أولوياتها القصوى، وفي مقدمتها مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن جانبه، أوضح وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أن الرؤية الجديدة تعيد الحلف إلى كونه تحالفاً عسكرياً صارماً يمتلك قدرات ردع حقيقية تقودها أوروبا، مشيراً إلى أن الميزانية الدفاعية الأمريكية لعام 2027 البالغة 1.5 تريليون دولار مخصصة لحماية أمريكا ومصالحها بالمقام الأول، وتشكل في الوقت نفسه ركيزة لقوة الحلفاء، وهو ما أكده مارك روته بأن "الناتو 3.0" أصبح واقعاً يتجسد في أوروبا أقوى داخل الحلف، كاشفاً عن خطط استثمارية للدول الأعضاء تصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، لافتاً إلى أن الإنفاق الدفاعي للأعضاء قفز بنسبة 20% خلال العام الماضي.

​وقد مر الحلف بمحطات تحول تاريخية استعرضها وزير الخارجية البولندي، رادوسواف سيكورسكي، حيث بدأت بمرحلة "الناتو 1.0" إبان حقبة الحرب الباردة، والتي ركزت على مهمة واضحة ومحددة تمثلت في ردع الاتحاد السوفيتي والتصدي لتمدده في القارة الأوروبية، ثم تلتها مرحلة "الناتو 2.0" في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي شهدت إعادة تعريف دور الحلف وتوسيع عملياته خارج الحدود في أفغانستان والشرق الأوسط مع التعامل مع روسيا كشريك محتمل، مما دفع دولاً أوروبية لخفض إنفاقها الدفاعي حينها، وصولاً إلى مرحلة "الناتو 3.0" الراهنة والمستقبلية التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد النفوذ الصيني، حيث تعيد واشنطن توجيه بوصلتها نحو آسيا، وتطالب أوروبا بقيادة دفاعها التقليدي بشكل كامل.

​وفي قراءة تحليلية للمشهد، أوضح جيمي شيا، نائب الأمين العام المساعد السابق للناتو، أن الحلف يتجه لنموذج يقوده الأوروبيون تمويلاً وإدارة لسد الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي التدريجي، مبيناً أن الاستياء الأمريكي الحالي يرجع إلى مواقف سابقة للحلفاء الأوروبيين، لا سيما رفض المملكة المتحدة وإيطاليا سابقاً السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قواعدهما الجوية في العمليات العسكرية ضد إيران. واختتم شيا تحليله بالإشارة إلى أن أوروبا تقف اليوم أمام خيارين أحلاهما مر، فإما التمسك بالصيغة التقليدية أو بناء منظومة دفاعية مستقلة، لافتاً إلى ملمح اقتصادي بارز في رؤية ترامب يهدف إلى نقل العبء الدفاعي لأوروبا مع ضمان انتعاش الصناعات الدفاعية الأمريكية، حيث توفر المشتريات الأوروبية الضخمة من السلاح الأمريكي مئات الآلاف من فرص العمل داخل الولايات المتحدة، دون أن يعني ذلك تخلي واشنطن بالكامل عن التزاماتها الاستراتيجية.