باكستان تصعّد ضغوطها على طالبان.. اشتباكات حدودية وانهيار التجارة بنسبة 74%

باكستان

كتبت شيماء حمدالله 


طالبت باكستان حكومة حركة طالبان في أفغانستان باتخاذ إجراءات ملموسة وقابلة للتحقق ضد الجماعات المسلحة التي تتهمها باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات عبر الحدود، في تصعيد جديد للخلافات الأمنية بين البلدين، وسط اشتباكات عسكرية متكررة واستمرار إغلاق المعابر التجارية وتراجع التبادل التجاري إلى 358 مليون دولار خلال السنة المالية 2025-2026.


وأكدت وزارة الإعلام الباكستانية، في بيان صدر السبت، أن إسلام آباد ستواصل اتخاذ التدابير التي تراها ضرورية لحماية أمنها وسيادتها، مشددة على أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب وقف الهجمات العابرة للحدود ومنع الجماعات المسلحة من العمل انطلاقًا من الأراضي الأفغانية.


 إسلام آباد تتهم طالبان بدعم الجماعات المسلحة


اتهمت وزارة الإعلام الباكستانية حكومة طالبان بتوجيه اتهامات إلى إسلام آباد لصرف الانتباه عن المخاوف الأمنية، معتبرة أن تحميل المؤسسات الأمنية الباكستانية مسؤولية أعمال العنف لا يعفي السلطات الأفغانية من مسؤولية منع استخدام أراضيها لشن هجمات ضد باكستان.


واستندت الوزارة إلى تقارير دولية، بينها تقرير لفريق رصد العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي وتقرير أميركي قُدم إلى الكونجرس عن الفترة من يناير إلى مارس 2026، وقالت إنها تؤكد استمرار نشاط حركة طالبان الباكستانية داخل أفغانستان وتلقيها الدعم هناك، مع تقديرات تتراوح بين 4 آلاف و6 آلاف مقاتل.


كما أشارت إسلام آباد إلى محاولات تسلل عبر الحدود، وضبط أسلحة أجنبية المنشأ، ومقتل مواطنين أفغان وعناصر من جماعات مسلحة خلال عمليات مكافحة الإرهاب. 


ووجهت اتهامات إلى مسؤولين في حركة طالبان، بينهم مسؤولون في قندهار، بتسهيل أنشطة الجماعات المسلحة.


وطالبت باكستان بإنهاء أي دعم أو تسامح مع حركة طالبان الباكستانية وجيش تحرير بلوشستان الانفصالي والجماعات المرتبطة بهما، مؤكدة أن عملياتها الأمنية تستهدف المسلحين، وليس الشعب الأفغاني.


طالبان ترفض الاتهامات الباكستانية


جاء الرد الباكستاني عقب تصريحات المتحدث باسم حكومة طالبان، ذبيح الله مجاهد، الجمعة، التي نفى فيها مسؤولية أفغانستان عن انعدام الأمن داخل باكستان، واتهم إسلام آباد بإلقاء اللوم على كابل للتغطية على إخفاقاتها الأمنية.


وقال مجاهد إن الحركة لا مصلحة لها في زعزعة استقرار الدولة المجاورة، ولا تمتلك الإمكانات اللازمة لإثارة الاضطرابات أو تمويلها في دول أخرى.


ويعكس تبادل الاتهامات استمرار الخلاف بشأن مسؤولية الهجمات المسلحة، في وقت لم تنجح فيه الاتصالات والوساطات الإقليمية والدولية في التوصل إلى تسوية دائمة تضمن خفض التصعيد وإعادة بناء الثقة بين الجانبين.


اشتباكات حدودية وغارات جوية تزيد التصعيد


ميدانيًا، تبادل الجيش الباكستاني وقوات طالبان إطلاق النار السبت الماضي في مناطق حدودية، بينها محور ولاية بكتيا الأفغانية ومنطقة كُرّم الباكستانية، عقب محاولة مسلحين التسلل إلى الأراضي الباكستانية، وفق الرواية التي نقلتها السلطات الباكستانية.


وسبقت هذه الاشتباكات غارات جوية باكستانية مطلع أكتوبر استهدفت، بحسب إسلام آباد، مواقع للجماعات المسلحة في ولايتي هلمند وكنر الأفغانيتين. وأسفرت الضربات عن سقوط قتلى ومصابين، وسط خلاف بشأن طبيعة الأهداف وحصيلة الضحايا.


ويزيد استمرار العمليات العسكرية من صعوبة احتواء التوتر، خصوصًا مع تبادل الطرفين الاتهامات بشأن المسؤولية عن الهجمات العابرة للحدود، وعدم التوصل إلى تفاهم أمني يضمن منع تكرارها.


التجارة بين باكستان وأفغانستان تتراجع 74%


امتدت تداعيات الخلاف إلى الاقتصاد، إذ هبط حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 358 مليون دولار خلال السنة المالية 2025-2026، مقابل 1.3 مليار دولار في السنة المالية السابقة، بانخفاض بلغ نحو 74%، وفق بيانات هيئة تنمية التجارة الباكستانية. 


وتشمل المعابر المتأثرة بالإغلاق تورخم وسبين بولدك–تشمن، إلى جانب معابر أخرى، ما أدى إلى تعطيل حركة الشاحنات والبضائع وإلحاق خسائر بقطاعات النقل والزراعة والأدوية.


كما تضررت صادرات الأدوية والمنتجات الزراعية الباكستانية إلى السوق الأفغانية، بينما واجه التجار وشركات النقل ارتفاعًا في تكاليف التشغيل وصعوبات في تحويل مسارات البضائع المتجهة إلى أسواق آسيا الوسطى.


واتجهت أفغانستان إلى توسيع خياراتها التجارية عبر إيران ودول آسيا الوسطى لتقليل الاعتماد على المسارات الباكستانية، في حين تتمسك إسلام آباد بربط إعادة فتح المعابر باتخاذ إجراءات أمنية ملموسة من جانب حكومة طالبان.


وساطات إقليمية دون اتفاق دائم


لم تنجح الجهود الإقليمية حتى الآن في إنهاء الخلاف أو التوصل إلى اتفاق دائم يعيد العلاقات إلى مسارها الطبيعي. وأبدت روسيا استعدادها للوساطة، فيما دعت موسكو وطهران إلى خفض التوتر بين الجانبين.


وتقول باكستان إنها لا ترفض الحوار مع حكومة طالبان، لكنها تشترط وجود التزامات أمنية واضحة وآلية للتحقق من وقف الهجمات المنطلقة من الأراضي الأفغانية. وفي المقابل، تنفي طالبان مسؤوليتها عن انعدام الأمن داخل باكستان وترفض اتهامات إسلام آباد بشأن دعم الجماعات المسلحة.


وتبقى إعادة فتح المعابر واستئناف التجارة مرتبطة بمدى قدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهمات أمنية قابلة للتنفيذ، في وقت تتداخل فيه المواجهة العسكرية مع المصالح الاقتصادية ومخاوف الاستقرار على جانبي الحدود.