زلزال انتخابي يضرب حزب ترامب.. الجمهوريون يحملون الرئيس مسؤولية خسارة الكونجرس ويطالبون بمراجعة سياساته

انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026

كتبت شيماء حمدالله 


فتحت الهزيمة الانتخابية التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية فصلاً جديداً من الصراع الداخلي، بعدما خسر الحزب السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في واحدة من أسوأ نتائجه الانتخابية منذ عقود، وسط تصاعد الاتهامات للرئيس دونالد ترامب وتحميله مسؤولية تراجع شعبية الجمهوريين وإخفاق مرشحيهم في عدد من الولايات التي اعتادت التصويت لصالح الحزب.


ولم تتوقف تداعيات الهزيمة عند خسارة المقاعد البرلمانية، بل امتدت إلى مستقبل قيادة ترامب داخل الحزب، بعدما بدأت أصوات جمهورية تطالب بمراجعة سياساته الاقتصادية والعسكرية واختياراته الانتخابية، معتبرة أن قراراته خلال العام السابق للاقتراع أضعفت فرص المرشحين بدلاً من دعمهم.


وبحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، تركزت الانتقادات على ثلاثة ملفات رئيسية، هي الحرب الأمريكية مع إيران وما ترتب عليها من ارتفاع أسعار الوقود، والرسوم الجمركية وتأثيرها على تكاليف المعيشة، فضلاً عن تدخل ترامب في اختيار مرشحي الحزب للسباقات الانتخابية الحاسمة.


الحرب مع إيران وأسعار الوقود وراء خسائر الجمهوريين


برزت الحرب الأمريكية مع إيران باعتبارها أحد أبرز الملفات التي أثرت على فرص الجمهوريين في الانتخابات، بعدما ساهمت تداعياتها في ارتفاع أسعار البنزين والديزل، بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها الأمريكيون.


وقال كريغ شيرلي، الذي عمل مساعداً في البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان، إن الحرب ألحقت أضراراً واضحة بالمرشحين الجمهوريين، معتبراً أن النتائج كانت ستختلف كثيراً لو لم تندلع المواجهة مع إيران.


وأضاف شيرلي أن قطاعاً واسعاً من الأمريكيين لا يعارض ترامب بالضرورة، لكنه يرفض الحرب وتداعياتها على التضخم وأسعار الوقود، قائلاً: «هناك كثيرون يحبون ترامب، لكنهم لا يحبون هذه الحرب اللعينة، ولا ما فعلته بالتضخم وأسعار البنزين والديزل».


وتعكس هذه الانتقادات حجم الضغوط التي واجهها المرشحون الجمهوريون، بعدما أصبح عليهم الدفاع عن سياسات الإدارة الأمريكية في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية على الناخبين.


الرسوم الجمركية تزيد الغضب الشعبي ضد ترامب


لم تكن الحرب مع إيران العامل الوحيد وراء تراجع الجمهوريين، إذ ساهمت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في زيادة المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، وتأثير السياسات التجارية على الشركات والمستهلكين.


وقال برينكر هاردينغ، المرشح الجمهوري الذي خسر في الدائرة الانتخابية بولاية نبراسكا التي مثلها النائب دون بيكون لمدة عشر سنوات، إن ارتفاع أسعار البنزين والرسوم الجمركية كانا من أبرز المشكلات التي واجهت الحزب خلال الانتخابات.


وفي ولاية ميشيغان، حاول المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز الابتعاد عن بعض سياسات ترامب، إذ انتقد الرسوم الجمركية ودعا إلى إنهاء الحرب مع إيران، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي من تداعياتها الاقتصادية.


لكن هذه المحاولات لم تنجح في إنقاذ روجرز من الخسارة، بما عكس صعوبة فصل المرشحين الجمهوريين عن السياسات المثيرة للجدل التي تبنتها الإدارة الأمريكية.


ترامب متهم باختيار مرشحين ضعفاء في انتخابات مجلس الشيوخ


امتدت الانتقادات داخل الحزب الجمهوري إلى قرارات ترامب بشأن المرشحين الذين منحهم دعمه في السباقات الانتخابية المهمة، وسط اتهامات بأن تدخلاته ساهمت في خسارة الحزب مقاعد كان يمكن الاحتفاظ بها.


وقال النائب الجمهوري دون بيكون إن عدم شعبية ترامب كان السبب الأول وراء خسائر الحزب، تليه قرارات الرئيس بدعم مرشحين وصفهم بالضعفاء في انتخابات مجلس الشيوخ.


وأشار بيكون إلى كين باكستون، المرشح الجمهوري في ولاية تكساس الذي واجه جدلاً بسبب فضائح تحيط به، إلى جانب السيناتور دارلين غراهام في ساوث كارولينا، معتبراً أن ترامب دفع بمرشحين لم يمتلكوا القدرة على تحقيق الفوز.


وأضاف منتقداً نتائج الانتخابات: «لقد خسرنا سباق مجلس الشيوخ في ساوث كارولينا، بحق السماء! لقد دفع بمرشحين سيئين إلى الواجهة».


وفي تكساس، خسر باكستون بفارق أكبر، بعدما لم ينجح في إبعاد نفسه بصورة واضحة عن ترامب، بينما تكبد الجمهوريون خسائر أخرى في ولايات محافظة، رغم الدعم الذي قدمه الرئيس لمرشحي حزبه.


واعتبر ديك وادهامز، المستشار الجمهوري في ولاية كولورادو، أن عدداً كبيراً من المرشحين الذين خسروا سباقات مجلس الشيوخ المهمة في الولايات المحافظة كانوا قد حصلوا على دعم ترامب أو جرى استقطابهم بتأييده.


وقال وادهامز إن ما حدث لم يكن تصويتاً مؤيداً للديمقراطيين بقدر ما كان تصويتاً معادياً لترامب، في إشارة إلى استخدام الناخبين صناديق الاقتراع للتعبير عن رفضهم لسياسات الرئيس.


جمهوريون يصفون ترامب بالمسؤول عن انهيار الحزب


تصاعدت حدة الانتقادات داخل الحزب بعد إعلان النتائج، إذ وصف الاستراتيجي الجمهوري جيسون رو، من ولاية ميشيغان، تحليل ترامب لأسباب الهزيمة بأنه «سخيف»، معتبراً أن الرئيس كان المهندس الذي قاد الجمهوريين إلى الانهيار.


وأشار رو إلى أن ترامب كاد يتحدى الأمريكيين للتصويت ضده، بعدما اختتم حملته الانتخابية بجولة تضمنت مواقف وقرارات أثارت غضب قطاعات من الناخبين.


وفي ولاية أوهايو، أرجع مؤيدون للسيناتور الجمهوري جون هستد خسارته أمام الديمقراطي شيرود براون إلى سياسات الرئيس وتداعياتها الداخلية.


وقال لويس جيو، وهو مترجم في المحاكم يبلغ من العمر 59 عاماً، إن البلاد تجاوزت الحدود، منتقداً مشروعات البناء التي ينفذها ترامب في واشنطن، ومن بينها قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض، متسائلاً عن جدوى الإنفاق على مشروعات من هذا النوع في وقت تواجه فيه البلاد أولويات أكثر إلحاحاً.


وفي مدينة أوكلاهوما، وصف العمدة الجمهوري ديفيد هولت حزبه بأنه «مفلس أخلاقياً وفكرياً»، معتبراً أن نتائج الانتخابات تمثل إخفاقاً استثنائياً للرئيس.


وقال هولت، الذي سبق له العمل في إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، إنه لا يتذكر انتخابات تجديد نصفي ارتبطت بشكل مباشر بشخص واحد وإخفاقاته، مضيفاً أن ما حدث بدا وكأن البلاد بأكملها اجتمعت لتقول: «كفى».


القيادات الجمهورية تدافع عن ترامب رغم خسارة الكونجرس


في المقابل، حاولت القيادات الجمهورية احتواء تداعيات الهزيمة وتجنب فتح مواجهة مباشرة مع الرئيس، إذ أصدر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون بياناً استعرض فيه ما وصفه بإنجازات الحزب خلال العامين الأولين من الولاية الثانية لترامب، دون التطرق بصورة مباشرة إلى أسباب الخسارة الانتخابية.


وأكد ثون أن الجمهوريين سيواصلون العمل مع الرئيس لوقف ما وصفه بأسوأ نزعات التطرف الديمقراطي.


كما دافع رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن ترامب، متهماً الديمقراطيين بما وصفه بـ«متلازمة اضطراب ترامب»، رغم خسارة الجمهوريين السيطرة على المجلس.


لكن المواقف الدفاعية للقيادات لم تمنع تصاعد التساؤلات بشأن مستقبل نفوذ ترامب داخل الحزب، خصوصاً مع دعوات جمهورية إلى تجاوز مرحلة الرئيس وإعادة النظر في استراتيجية الحزب استعداداً للاستحقاقات السياسية المقبلة.


ترامب يحمّل غيابه عن بطاقات الاقتراع مسؤولية الهزيمة


من جانبه، سعى ترامب إلى إبعاد المسؤولية عن نفسه، معتبراً أن عدم وجود اسمه على بطاقات الاقتراع حال دون تمكن الجمهوريين من حشد العدد الكافي من الناخبين.


وقال ترامب في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، مساء الثلاثاء، قبل إغلاق مراكز الاقتراع في بعض المناطق الأمريكية، إنه لم يكن مرشحاً في الانتخابات، وإن غيابه عن بطاقات التصويت أثر على قدرة الحزب في إخراج عدد كافٍ من الناخبين.


كما ألقى باللوم على بعض المرشحين الذين دعمهم، معتبراً أنهم لم يتمكنوا من إلهام الناخبين، وأن بعضهم اتخذ مواقف معارضة له، وهو ما لم يكن مقبولاً لدى قاعدته الانتخابية.


لكن هذا التفسير لم يقنع عدداً من الجمهوريين، الذين اعتبروا أن ترامب كان حاضراً بقوة في الانتخابات من خلال قراراته وسياساته، وأن الناخبين استخدموا التصويت ضد مرشحي الحزب للتعبير عن غضبهم من إدارته.


وقال جون فلايشمان، المدير التنفيذي السابق للحزب الجمهوري في كاليفورنيا، إن الناخبين لم تتح لهم فرصة التعبير عن إحباطهم مباشرة أمام ترامب، ولذلك وجهوا رسالتهم من خلال التصويت ضد مرشحي حزبه.


وتفتح هذه الخسارة الباب أمام مرحلة جديدة من الخلافات داخل الحزب الجمهوري، مع تزايد المطالب بإعادة تقييم سياسات ترامب ومدى تأثيرها على مستقبل الحزب، في وقت تطرح فيه النتائج تساؤلات بشأن قدرة الرئيس على الاحتفاظ بنفوذه السياسي خلال العامين الأخيرين من ولايته.