أحمد أنيس سراج الدين يكتب: الإنترنت غير المحدود لم يعد رفاهية.. شباب مصر يستحقون بنية رقمية تليق بالمستقبل

أحمد أنيس سراج الدين



في زمن أصبح فيه الإنترنت مكتبًا وشركةً وسوقًا ومصدر دخل، ما زلنا في مصر نتعامل معه وكأنه خدمة ترفيهية تُقاس بعدد الجيجابايت، وليس بنية أساسية يقوم عليها اقتصاد كامل.


هناك آلاف الشباب المصريين من المبرمجين والمهندسين والمصممين وأصحاب الشركات ومن يعملون عن بُعد مع شركات وعملاء خارج مصر، وهؤلاء لا يحتاجون الإنترنت للترفيه، بل أعمالهم وأرزاقهم ومستقبلهم قائم عليه.


والأصعب أن بعض الشباب يضطر إلى تأسيس شركات أو نقل جزء من أعماله إلى دبي أو دول أخرى، ويدفع رسومًا وضرائب هناك، فقط ليجد بيئة تساعده على إدارة أعماله والتعامل مع العالم بسهولة. وهنا نخسر نحن: نخسر شركة، ونخسر ضرائب، ونخسر عملة أجنبية، وربما نخسر شابًا ناجحًا قرر في النهاية أن يعمل ويعيش خارج مصر.


انقطاع الخدمة أو ضعف السرعة أو نفاد الباقة بالنسبة لشخص يعمل أونلاين قد يعني اجتماعًا ضاع، أو مشروعًا تأخر، أو عميلًا فقد الثقة، أو عقدًا بآلاف الدولارات انتهى. الإنترنت اليوم أصبح جزءًا من أدوات الإنتاج مثل الكهرباء تمامًا.


نحن نتحدث عن التحول الرقمي و«مصر الرقمية»، وهذا توجه مهم، لكن لا يمكن أن نبني دولة رقمية حقيقية بينما المواطن والشاب وصاحب العمل ما زالوا يحسبون كل جيجابايت ويخشون انتهاء الباقة في منتصف الشهر.


دول كثيرة حولنا سبقت في هذا الملف، وأصبح الإنترنت غير المحدود أو عالي السعة جزءًا طبيعيًا من بنيتها الاقتصادية. فلماذا لا تدرس الدولة المصرية بجدية توفير إنترنت منزلي حقيقي غير محدود، بسرعات مستقرة وأسعار عادلة، مع تطوير البنية التحتية بما يحافظ في الوقت نفسه على استدامة وجودة الخدمة؟


هذه ليست مطالبة برفاهية، بل مطالبة باستثمار في شباب مصر واقتصادها.


بدلًا من أن نصدّر شبابنا وأعمالهم إلى الخارج، فلنوفر لهم البيئة التي تجعلهم يعملون من مصر، يدخلون العملة الصعبة إلى مصر، يؤسسون شركاتهم في مصر، ويدفعون ضرائبهم في مصر.


الجيل القادم حياته وعمله وتعليمه وتجارته مرتبطة بالإنترنت. وإذا كنا نتحدث فعلًا عن دولة رقمية واقتصاد رقمي، فالبداية يجب أن تكون من الأساس: إنترنت قوي، مستقر، وبلا قيود تعطل العمل والإنتاج.