تمر منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب بمرحلة شديدة الحساسية، تتجاوز في تداعياتها حدود الصراع اليمني لتلامس جوهر الأمن الإقليمي والدولي، فالممر الذي يمثل إحدى أهم نقاط الاتصال بين المحيط الهندي والبحر المتوسط لم يعد مجرد مسرح لتحركات عسكرية متفرقة، وإنما أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، وتتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع حركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية، وقد أدى استمرار الصراع في اليمن وتعدد الأطراف المنخرطة فيه إلى تحويل الجغرافيا اليمنية، ولا سيما المناطق المطلة على البحر الأحمر وباب المندب، إلى ورقة نفوذ تتجاوز قيمتها حدود الصراع الداخلي، فامتلاك القدرة على التأثير في حركة الملاحة أو تهديد خطوط الإمداد يمنح الأطراف المسلحة قدرة على فرض تكلفة استراتيجية على خصومها، ويجعل من الممرات البحرية جزءًا من معادلة الصراع وليس مجرد مساحة محايدة لعبور السفن.
وتزداد خطورة هذا المشهد مع اتساع نطاق الصراعات غير المباشرة في المنطقة، حيث أصبحت بعض القوى تستخدم حلفاء ووكلاء محليين لتعزيز نفوذها ورفع كلفة تحرك خصومها، دون الانخراط بالضرورة في مواجهة عسكرية مباشرة، وهنا الخطورة الحقيقية إذ إن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في البحر الأحمر، وفتح المجال أمام تدخلات عسكرية أوسع، بما يهدد استقرار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ومن هذا المنظور فإن أزمة البحر الأحمر لا ينبغي النظر إليها باعتبارها امتداد للحرب اليمنية، بل باعتبارها اختبار حقيقي لقدرة القوى الإقليمية والدولية على حماية التوازنات الاستراتيجية ومنع تحول الممرات البحرية إلى أدوات للصراع والنفوذ، وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر، التي يرتبط أمنها القومي بصورة مباشرة باستقرار البحر الأحمر وسلامة الملاحة في قناة السويس، الأمر الذي يجعل التعامل مع التطورات هناك مسألة تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية لتصبح جزءاً أصيلاً من حسابات الأمن القومي المصري، وبالتالي فإن التحرك المصري المطلوب لا يقتصر على رد الفعل تجاه تطورات الميدان، وإنما يستدعي رؤية استباقية تقوم على حماية المصالح الوطنية، وتعزيز الحضور الدبلوماسي والأمني، والعمل على منع انتقال الصراع من الساحة اليمنية إلى منظومة الأمن البحري الإقليمي، فكلما اتسعت مساحة الفوضى في باب المندب ادت الي زيادة في كلفة احتوائها، وكلما تأخر التعامل مع جذور الأزمة، أصبح احتمال فرض واقع أمني جديد على البحر الأحمر أكثر خطورة.
وبينما يمتد أثر التصعيد الإقليمي إلى ما هو أبعد من ساحات المواجهة المباشرة، ليطال شبكة الممرات البحرية التي تقوم عليها حركة الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الممرات ليس فقط بسبب حجم النفط والغاز الذي يعبره، وإنما لأن أي تهديد لحركة الملاحة فيه يمكن أن ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وأسعارها، حتى في حال عدم إغلاقه بصورة كاملة فمجرد ارتفاع احتمالات التعطيل أو فرض قيود انتقائية على حركة السفن كفيل بزيادة تكاليف التأمين والنقل ودفع الأسواق إلى تسعير مخاطر سياسية وأمنية أعلى، وينتقل أيضاً هذا التأثير إلى باب المندب، الذي يمثل نقطة الاختناق المقابلة على طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، حيث لا يحتاج الأمر إلى إغلاق كامل للممر حتى تظهر التداعيات الاقتصادية فاستمرار التهديدات يكفي لدفع شركات الملاحة إلى إعادة توجيه السفن نحو طرق أطول وأكثر تكلفة، بما يزيد زمن الرحلات ويؤثر في انتظام سلاسل الإمداد.
وهنا تظهر أهمية قناة السويس بالنسبة لمصر، لأن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر لا يمثل تهديد أمني بعيداً عن الأراضي المصرية، بل يمكن أن يتحول إلى ضغط مباشر على حركة العبور بالقناة وإيراداتها ودورها في التجارة الدولية، والأهم أن خطورة هذه المعادلة تكمن في ترابط حلقاتها؛ فهرمز يؤثر في أمن الطاقة، وباب المندب يؤثر في حركة التجارة، بينما تقع قناة السويس عند نقطة التقاء هذه التدفقات في طريقها بين آسيا وأوروبا، ولذلك فإن أي محاولة لاستخدام الممرات البحرية كورقة ضغط في الصراع الإقليمي لا تقتصر نتائجها على الدول المتواجهة، وإنما تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وتضع مصر تحديداً أمام تحدٍ يتجاوز حماية الملاحة إلى الحفاظ على موقعها ودورها داخل أحد أهم طرق التجارة العالمية.
