«331 مليون متعاطٍ عالمياً ووفاة 500 ألف سنوياً».. المفتي وعمرو عثمان يفتتحان دورة الفتوى لمكافحة الإدمان لـ 60 باحثاً شرعياً

جانب من الحدث

افتتح فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، والدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، فعاليات البرنامج التدريبي المخصص للباحثين الشرعيين وأمناء الفتوى بدار الإفتاء المصرية تحت عنوان "الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات .. رؤية شرعية ومجتمعية".

ويأتي تنظيم هذا البرنامج في إطار تنفيذ محاور الاستراتيجية القومية لمكافحة المخدرات والحد من التعاطي والإدمان التي حظيت بإطلاقها تحت رعاية رئيس الجمهورية.

وشهد حفل الافتتاح حضور مدحت وهبة، المستشار الإعلامي والمتحدث الرسمي للصندوق، والدكتور إبراهيم عسكر، مدير عام البرامج الوقائية بالصندوق، والشيخ محمد مبروك الشيلاني، مدير التدريب بدار الإفتاء المصرية، إلى جانب مشاركة تجاوزت ستين متدرباً من الباحثين الشرعيين وأمناء الفتوى العاملين بدار الإفتاء المصرية.

ويرتكز البرنامج التدريبي المستهدف للباحثين الشرعيين وأمناء الفتوى بدار الإفتاء على الانعقاد على مدار خمسة أيام متواصلة كنعاج للتعاون المثمر بين دار الإفتاء وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي.

ويهدف هذا العمل التدريبي إلى تمكين المشاركين من بلورة وتكوين رؤية شاملة ومتكاملة إزاء ظاهرة الإدمان والمخدرات، إلى جانب إدراك واستيعاب دوافعها وأسبابها وآثارها ومناهج الوقاية والعلاج منها، بالشكل الذي يعزز كفاءتهم وقدراتهم على دراسة وتفكيك الاستفسارات والأسئلة المرتبطة بقضية الإدمان.

الرؤية الشرعية ومقاصد الشريعة في صيانة العقل والمجتمع

واستهل فضيلة مفتي الجمهورية كلمته بالتشديد والتأكيد على حتمية التعاطي مع القضايا والملفات المتعلقة بالإدمان والمخدرات باعتبارها تحمل وتفرض مسؤولية دينية ووطنية وأخلاقية، بالنظر إلى أن الحاجة أمست ماسة وملحة لبحث هذه المحاور المتصلة بصورة مباشرة ببناء الإنسان الشامل وحماية بنيان المجتمع.

وأكد فضيلته أن هذه الدورات والبرامج تعتبر رافداً أساسياً ومحورياً في سبيل التصدي لكافة أشكال الفساد والتعامل مع الظواهر المستجدة التي تجتهد في استهداف الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع الدقيق بين التأصيل والشرعية والمعرفة المجتمعية والخبرة الميدانية.

وأشار إلى أن المفتي في أداء مهامه لا يكتفي بالكشف عن الحكم الشرعي للواقعة إلا عقب استيعابها والإحاطة الشاملة بكافة جوانبها وأبعادها وتفاصيلها المتباينة، انطلاقاً من مقامه كموقع عن رب العالمين، الأمر الذي يستوجب إدراك الواقع بدقة وتفهم طبيعة الظواهر والوقائع التي تترتب عليها الفتاوى.

وأوضح فضيلة المفتي أن المقصد والغاية الرئيسية للشرائع السماوية تتمثل في صيانة وحفظ الكليات الضرورية، وفي مقدمتها حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، مشدداً على أن هذه الكليات هي المقاصد الأساسية التي لا يمكن أن تستقيم وتستقر حياة البشر إلا بحمايتها وصيانتها.

وأضاف أن أي مساس أو إخلال ببعد واحد منها يقود تلقائياً إلى اضطراب واختلال منظومة الاستخلاف في الأرض وإفساد أحوال البلاد والعباد، ومن هذا المنطلق تتضح خطورة وأبعاد آفة المخدرات باعتبارها من أشد الظواهر التي تستهدف النفس والعقل معاً وتنعكس تبعاتها وآثارها على الفرد والأسرة والمجتمع برمتها.

وأشاد مفتي الجمهورية بالدور والجهد البارز الذي ينفذه مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية عبر حسن انتقاء الموضوعات والقضايا المتصلة بالواقع والتحديات المتجددة، لافتاً إلى أن التعامل الحكيم مع ظاهرة المخدرات والإدمان لا يتوقف عند الموقف الحاسم المتمثل في إصدار الحكم الشرعي، بل يتطلب إدراكاً وفهماً عميقاً لتطورات الظاهرة وأسبابها وأبعادها النفسية والاجتماعية، ليكون المتصدى للإفتاء قادراً على تشخيص الداء والمساهمة الفاعلة في طرح مسارات العلاج والوقوف على المحاور التاريخية والإنسانية والاجتماعية بالاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وأشار فضيلته إلى أن المخاطر المترتبة على المخدرات تتجاوز نطاق الأذى والضرر البدني لتصل إلى مرتبة الإفساد في الأرض، بالنظر لكون آثارها الممتدة والمتشعبة لا تنحصر في الشخص المتعاطي بمفرده، بل تمتد لتنال أسرته ومحيطه ومجتمعه وكل من ينخرط في التعامل معه أو يتأثر بسلوكه، مما يحول مواجهتها إلى مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة تستوجب تتضافر جميع الجهود الشرعية والمجتمعية والتوعوية في ضوء قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، تأكيداً لمسؤولية بني الإنسان عن إصلاح الأرض وصيانة المقومات الحياتية فيها وحماية المجتمع من دواعي الانحراف والفساد.

تفنيد المفاهيم المغلوطة واستعراض المؤشرات الدولية والمحلية

ومن جانبه، قدم الدكتور عمرو عثمان محاضرة تفصيلية تناول خلالها المناهج والآليات العملية للرد على المفاهيم المغلوطة والشائعة بشأن تعاطي المخدرات، مع استعراض أبرز دوافع وأسباب الإقبال عليها ودور علماء الدين والباحثين في تفنيدها وتفكيكها، ومن بينها الادعاء الزائف بأن نبات الحشيش لا يسبب الإدمان، أو أن تعاطي المواد المخدرة يساعد على تجاوز الهموم أو تنشيط الذاكرة وغيرها من الاعتقادات والافتراضات الخاطئة.

كما ركزت المحاضرة على صياغة وأهمية الرسائل الموجهة للأسر والتعريف بسبل الوقاية الأولية والاكتشاف المبكر للتعاطي، وبيان طبيعة مرض الإدمان وأسبابه وسبل الوقاية منه، إلى جانب إبراز الخدمات العلاجية المجانية التي يقدمها صندوق مكافحة الإدمان عبر الخط الساخن رقم "16023"، والتأكيد على ضرورة العمل على رفع الوصم الاجتماعي عن المتعافين ودمجهم مجتمعياً.

واستعرض الدكتور عمرو عثمان أحدث المستجدات والبيانات حول مشكلة المخدرات عالمياً بناءً على ما جاء في تقرير الأمم المتحدة لعام 2026 وانعكاساتها على المستوى المحلي، بالتوازي مع جهود وتدخلات صندوق مكافحة وعلاج الإدمان بالتعاون مع المؤسسات المعنية لخفض الطلب على المخدرات.

ولفت إلى أن التقرير الأممي كشف عن ارتفاع عدد الأشخاص الذين يتعاطون المواد المخدرة عالمياً ليصل إلى 331 مليون شخص، بنسبة زيادة بلغت 34% خلال العقد الأخير.

وأوضح التقرير أن نسبة كبيرة من المتعاطين تعاني من اضطرابات التعاطي والإدمان، فضلاً عن تسجيل نحو 500 ألف حالة وفاة سنوياً حول العالم جراء تداعيات المخدرات.

وأكد التقرير الدولي وجود ارتباط وثيق ومباشر بين آفة المخدرات والجرائم المنظمة وأعمال العنف وتدفقات الأموال غير المشروعة، حيث باتت سوق المخدرات تشكل أكثر من 50% من إجمالي النشاط الاقتصادي المالي للجماعات الإجرامية المنظمة على المستوى العالمي.

وأوضح التقرير أن فئة الشباب والنشء، وتحديداً الفئة العمرية الواقعة بين 15 و19 عاماً، هي الفئة الأكثر عرضة للوفاة جراء التعاطي بنسبة ترتفع بمقدار 45% مقارنة بالبالغين.

وحذر التقرير كذلك من صعود وموجات المواد الاصطناعية الجديدة وأنماطها التي تتضاعف خطورتها وتأثيراتها أضعافاً مقارنة بمعدلات الهيروين التقليدي.

وعلاوة على ذلك، توجد فجوة علاجية حادة عالمياً إذ لا يتلقى الخدمات العلاجية سوى مريض واحد من بين كل 9 مرضى من الذكور ومريضة واحدة من بين كل 23 حالة من الإناث، بخلاف ما يتم تطبيقه في جمهورية مصر العربية حيث تتاح لكافة المرضى الخدمات العلاجية مجاناً وفي سرية تامة ووفق المعايير الدولية المعتمدة.

محاور الاستراتيجية القومية وإنجازات صندوق مكافحة الإدمان

واستعرض "عثمان" تجربة صندوق مكافحة الإدمان والتعاطي بصفته الآلية الوطنية الرسمية المعنية بخفض الطلب على المخدرات في مصر، وذلك عبر منظومة وقائية وعلاجية متكاملة ذات جودة عالية قائمة على الأدلة العلمية الموثوقة، وتستند إلى تنفيذ المحاور المحددة بالاستراتيجية القومية لمكافحة المخدرات التي أُطلقت تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي وجارٍ تطبيقها بالتعاون مع كافة الوزارات والهيئات ذات الصلة.

وتتضمن الاستراتيجية التركيز على الوقاية الأولية والانتقال العملي من مجرد الوعي النظرى إلى الوقاية الميدانية داخل المؤسسات التعليمية والشبابية، وتصميم وتنفيذ برامج متخصصة تستهدف الأسرة لتعزيز الوقاية والاكتشاف المبكر مع إيلاء اهتمام استثنائي للمناطق الأكثر عرضة لانتشار المشكلة، فضلاً عن تهيئة بيئة تعليمية ورياضية تُكسب النشء والشباب قدرات حقيقية على رفض ومواجهة ثقافة التعاطي.

وتشمل الجهود أيضاً إقامة الأنشطة والفعاليات التوعوية لرفع درجة الوعي لدى الفئات المجتمعية المختلفة، وتدشين حملة إعلامية موسعة تحمل شعار "أنت أقوى من المخدرات".

وتعتمد فلسفة هذه الحملة الإعلامية على استهداف المفاهيم المغلوطة وتفنيدها وتحديد الفئات المستهدفة بدقة وتنوع، وهو ما أثمر عن زيادة الاتصالات الواردة عبر الخط الساخن لعلاج الإدمان "16023" بنسبة وصلت إلى 500%، بما يعكس بوضوح نجاح الحملة في تعميق الوعي بمدى خطورة الإدمان وزيادة معدلات الثقة بالخدمات العلاجية المقدمة. ويقدم الصندوق خدماته العلاجية لما يقارب 160 ألف متردد سنوياً بالمجان وفي إطار من السرية والمعايير الدولية، وذلك من خلال 35 مركزاً متخصصاً وشريكاً تتوزع على 20 محافظة حتى الآن، بعد أن كان إجمالي عدد المراكز العلاجية لا يتجاوز 12 مركزاً في 7 محافظات فقط خلال عام 2014.

وشهدت الجهود الميدانية كذلك إجراء الكشف الطبي على 10 آلاف سائق من سائقي حافلات المدارس بالتعاون مع وزارات الداخلية والتربية والتعليم والتعليم الفني والصحة والسكان خلال العام الماضي، مما أدى إلى تراجع وانخفاض نسبة التعاطي بين سائقي حافلات المدارس من 12% عام 2017 لتصل إلى 0.6%.

ويندرج تنظيم هذه الدورة في إطار حرص دار الإفتاء المصرية وسعيها المستمر نحو تعزيز برامج التأهيل المتقدم والمتخصص لأمناء الفتوى والباحثين الشرعيين والإعلاميين، للرفع من قدراتهم ومهاراتهم الميدانية في التعامل مع القضايا والظواهر المجتمعية الراهنة بأسلوب يعتمد التوازن بين التأسيس الشرعي والفهم الدقيق والعميق لمعطيات الواقع، بما يطور الخطاب الإفتائي والتوعوي ويعزز دوره المحوري في حماية المجتمع والأسرة والإنسان من المخاطر والانحرافات وفي صدارتها قضية الإدمان والمخدرات بالتعاون الفاعل مع صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي.