«المحليات غايبة بقالها سنين».. رضا فرحات يطالب بعودة المجالس المحلية وإنهاء الفراغ السياسي

اللواء رضا فرحات

أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، محافظ القليوبية والإسكندرية الأسبق وأستاذ العلوم السياسية، أن عودة المجالس الشعبية المحلية المنتخبة أصبحت ضرورة لإنهاء حالة الفراغ السياسي المحلي، مشيرًا إلى أن استمرار غيابها منذ عام 2011 حرم أجيالًا من الشباب من ممارسة العمل السياسي والمشاركة في إدارة الشأن المحلي.

جاء ذلك خلال المحاضرة الثانية التي قدمها فرحات ضمن فعاليات البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات، الذي ينظمه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت رعاية الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، وبإشراف النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد المعهد، بهدف إعداد وتأهيل كوادر شابة قادرة على المشاركة في العمل العام والإدارة المحلية.

وأعرب فرحات عن تقديره للمشاركة في البرنامج، مؤكدًا أهمية نقل الخبرات للشباب وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرف بشكل عملي على طبيعة العمل المحلي، موضحًا أن خبرته في الإدارة المحلية لم تتشكل من الدراسة الأكاديمية فقط، وإنما من خلال العمل التنفيذي وصولًا إلى منصب المحافظ.

وقال إن الإدارة المحلية ملف يرتبط بشكل مباشر بحياة المواطن اليومية، ولذلك فإن المسؤول المحلي يحتاج إلى معرفة جيدة بالتشريعات والقوانين واللوائح المنظمة للعمل، مشددًا على ضرورة تأهيل القيادات قبل توليها المسؤولية.

وأشار إلى أن وصول بعض المسؤولين إلى مواقع تنفيذية دون امتلاك المعرفة الكافية بالقوانين قد يؤدي إلى التردد في اتخاذ القرار أو الاعتماد على آخرين في إدارة الملفات، وهو ما قد ينعكس على مستوى الأداء ويفتح الباب أمام أخطاء أو انحرافات.

وأوضح فرحات أن التنمية المحلية لا تعني فقط وجود مجالس شعبية محلية، وإنما هي منظومة متكاملة تشمل التخطيط وتوزيع الموارد وتحسين الخدمات وجودة الحياة، إلى جانب مشاركة المواطنين وتأهيل العنصر البشري.

وشدد على أن التنمية الحقيقية لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي، وإنما تشمل الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية، مؤكدًا أن العنصر البشري يظل الأساس في تنفيذ أي خطة تنموية.

التخطيط يبدأ من احتياجات الناس

وتحدث فرحات عن أهمية التخطيط التشاركي، مؤكدًا أن وضع خطط التنمية يجب أن يبدأ من معرفة احتياجات المواطنين على أرض الواقع، وليس من خلال خطط مركزية لا تراعي طبيعة كل قرية أو مركز.

واستعرض تجربة خلال فترة توليه منصب المحافظ، تم خلالها النزول إلى القرى والمناطق المختلفة وقياس مستوى جودة الحياة ورصد احتياجات المواطنين في قطاعات التعليم والصحة والطرق والصرف الصحي والثقافة والرياضة وغيرها.

وأوضح أن معرفة احتياجات كل منطقة تساعد في توجيه الموازنة والخطة الاستثمارية إلى الأماكن الأكثر احتياجًا، بدلًا من توزيع الموارد دون ترتيب واضح للأولويات.

ولفت إلى أن احتياجات القرى ليست واحدة، فقد تكون الأولوية في قرية لرصف طريق، بينما تحتاج قرية أخرى إلى مدرسة أو مركز شباب أو وحدة صحية، وهو ما يجعل مشاركة المواطنين في تحديد الأولويات أمرًا مهمًا.

وأشار إلى أن مشروع «حياة كريمة» يمثل نموذجًا مهمًا لتحسين مستوى المعيشة في القرى، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة استمرار خطط التنمية وتوفير الموارد اللازمة لصيانة المشروعات والمرافق بعد تنفيذها.

وأكد أن تقييم المسؤول المحلي يجب أن يرتبط في الأساس بمدى رضا المواطنين عن الخدمات المقدمة لهم، وقدرته على الوصول إلى مشكلاتهم الحقيقية والعمل على حلها.

«وظيفتك جنب بيتك» لتوفير فرص عمل للشباب

وتطرق فرحات إلى أهمية مشاركة المجتمع في تنفيذ مشروعات التنمية، موضحًا أن الدولة ليست مطالبة بتحمل التكلفة الكاملة لكل مشروع، إذ يمكن الاستفادة من إمكانيات المواطنين ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني، خاصة في المشروعات التي تحظى بتوافق مجتمعي.

وأكد أن المشاركة المجتمعية لا توفر موارد إضافية فقط، وإنما تجعل المواطنين أكثر ارتباطًا بالمشروعات المقامة في مناطقهم وحرصًا على الحفاظ عليها.

واستعرض تجربة مشروع «وظيفتك جنب بيتك» بمحافظة القليوبية، الذي استهدف إنشاء مصانع صغيرة داخل القرى وتوفير فرص عمل للشباب بالقرب من محل إقامتهم.

وأوضح أن المشروع تضمن إنشاء عدد من المصانع، وتدريب الشباب وتأهيلهم في مجالات الإنتاج والجودة والتسويق، إلى جانب توفير تمويل ميسر، وإبرام اتفاقات مع شركات كبرى لتسويق وشراء المنتجات.

وأشار إلى أن التجربة ساهمت في توفير فرص عمل داخل القرى، وتشجيع الشباب على دخول مجال ريادة الأعمال بدلًا من البحث عن فرص عمل خارج مناطقهم، بما يساعد كذلك على الحد من الهجرة من الريف إلى المدن.

أزمة بين المركز والمحافظات

وانتقل فرحات إلى قضية المركزية واللامركزية، مؤكدًا أن الإدارة المحلية ما زالت تواجه تحديات تتعلق بتوزيع الاختصاصات والموارد بين الحكومة المركزية والمحافظات.

وأوضح أن المحافظ يتعامل مع عدد كبير من المشكلات اليومية للمواطنين، في الوقت الذي تتبع فيه قطاعات أساسية، من بينها المياه والصرف الصحي والتموين والصحة، وزارات مركزية، وهو ما يؤدي في بعض الحالات إلى ما وصفه بـ«التبعية المزدوجة» للمديريات.

وأكد ضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين المحافظ والأجهزة التنفيذية التابعة للوزارات المختلفة، بما يحدد المسؤوليات بشكل واضح ويساعد على سرعة اتخاذ القرار.

وأشار إلى أن دستور 2014 نص على التوسع في اللامركزية الإدارية والمالية، إلا أن الانتقال الكامل إلى هذا النظام لم يتحقق حتى الآن.

«المحليات هتخفف الحمل عن النواب»

وشدد فرحات على أن غياب المجالس الشعبية المحلية منذ عام 2011 أحدث فجوة في الحياة السياسية المحلية، وحرم الشباب من فرصة اكتساب الخبرة السياسية والرقابية من خلال المشاركة في العمل المحلي.

وأوضح أن المجالس المنتخبة لا يقتصر دورها على متابعة الخدمات، وإنما تمتلك أدوات للمشاركة والرقابة على الأجهزة التنفيذية، من خلال طرح الأسئلة وطلبات الإحاطة والمناقشة والاستجواب وفقًا للقواعد الدستورية والقانونية.

وأكد أن عودة المجالس المحلية من شأنها تخفيف الضغط عن مجلس النواب، بحيث يركز النواب على أدوارهم التشريعية والرقابية، بينما تتولى المجالس المحلية الملفات المرتبطة بالشأن المحلي والخدمات والمشكلات اليومية للمواطنين.

وتناول فرحات تاريخ الإدارة المحلية في مصر، مشيرًا إلى أن التشريعات المنظمة لها مرت بمراحل متعددة، وصولًا إلى القانون رقم 43 لسنة 1979 بشأن نظام الإدارة المحلية، والذي يمثل الإطار التشريعي الأساسي مع التعديلات التي طرأت عليه.

وأوضح أن المجالس المحلية ليست فكرة جديدة، وإنما لها جذور في النظام الدستوري والقانوني المصري، لافتًا إلى وجود عدد من التحديات الدستورية والقانونية المرتبطة بتشكيل المجالس المحلية ونسب تمثيل المرأة والشباب والعمال والفلاحين وذوي الإعاقة وغيرهم.

وأكد أن استمرار تأجيل انتخابات المحليات يتطلب معالجة هذه الإشكالات، مشددًا على أن الأولوية هي عودة المجالس المحلية المنتخبة وإنهاء حالة الفراغ السياسي المحلي.

تمثيل المدن الجديدة

كما انتقد فرحات استمرار غياب التمثيل المحلي عن المدن الجديدة، مؤكدًا أن سكان هذه المدن لهم الحق في المشاركة في الحياة العامة والانتخاب والترشح.

وقال إن استمرار اعتبار بعض المدن «جديدة» رغم مرور سنوات طويلة على إنشائها يمثل مشكلة تحتاج إلى حل، مطالبًا بمنح المدن التي اكتملت مرافقها واستقرت أعداد سكانها تمثيلًا مناسبًا في منظومة الإدارة المحلية.

وشدد كذلك على ضرورة وضع قواعد واضحة للعلاقة بين المدن الجديدة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وأجهزة الإدارة المحلية، بما يحافظ على الانضباط العمراني ويضمن في الوقت نفسه وجود رقابة ومشاركة محلية.

مواجهة الفساد تبدأ بالتأهيل

وفيما يتعلق بالفساد في الإدارة المحلية، أكد فرحات أن مواجهته لا تعتمد فقط على تشديد العقوبات، وإنما تحتاج إلى تحسين بيئة العمل وتدريب الموظفين ورفع كفاءتهم وتحسين أجورهم، إلى جانب الرقابة الفعالة والعقوبات الرادعة.

وشدد على أن اختيار القيادات المناسبة يمثل عاملًا أساسيًا في نجاح الإدارة، موضحًا أن المسؤول لا يحتاج إلى الخبرة فقط، وإنما يجب أن يكون قادرًا على فهم طبيعة المجتمع المحلي والتعامل مع احتياجاته ومشكلاته.

وشهدت المحاضرة نقاشًا موسعًا بين فرحات والمشاركين حول مستقبل الإدارة المحلية وانتخابات المجالس الشعبية المحلية، ودور الشباب في الحياة السياسية، واللامركزية، وآليات تمثيل الفئات المختلفة.

وجاءت الفعاليات بحضور عدد من النواب وقيادات حزب الوفد، من بينهم فؤاد بدراوي مساعد رئيس الوفد، والنائب اللواء إيهاب عبد العظيم عضو المكتب التنفيذي للحزب، والنائب مجدي ملك مساعد رئيس الوفد، والعميد محمد سمير مساعد رئيس الوفد، واللواء مصطفى زكريا مساعد رئيس الوفد للمتابعة، والقيادي الوفدي الدكتور علاء شوالي، واللواء أحمد الشاهد رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي السابق، والمهندس وسام عبد الباقي رئيس لجنة التحول الرقمي، والدكتورة هلا حسن المدير التنفيذي لمعهد الدراسات السياسية والاستراتيجية بحزب الوفد، إلى جانب عدد من قيادات الوفد والمشاركين من مختلف المحافظات، حضورًا وعبر الإنترنت.

ومن جانبها، أكدت النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن «البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات» يستهدف إعداد كوادر شابة مؤهلة للمشاركة في العمل العام والإدارة المحلية.

وأوضحت أن البرنامج، الذي يستمر لمدة شهر، لا يعتمد على المحاضرات النظرية فقط، وإنما يتضمن لقاءات تدريبية تهدف إلى تعريف المشاركين بمفاهيم الإدارة المحلية والتشريعات المنظمة لها، وأسس العمل السياسي، وآليات المشاركة المجتمعية، فضلًا عن الاستفادة من خبرات شخصيات سياسية وتنفيذية وأكاديمية.

وأكدت عازر أن المحليات هي الأقرب إلى حياة المواطن اليومية، حيث تظهر فيها العديد من المشكلات التي تمس حياة المواطنين، ومن خلالها يمكن أيضًا الوصول إلى حلول عملية لها.

ويأتي البرنامج ضمن توجه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية لدعم وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، وإعداد عناصر قادرة على المشاركة في الحياة العامة وفهم احتياجات المواطنين والتعامل مع التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية.