عبدالرحمن الكفراوي يكتب: «القانون لا يحمي المغفلين».. حقيقة قانونية أم مقولة تُستخدم ضد الضحايا؟

عبدالرحمن الكفراوي

كتبت شيماء حمدالله 


ترددت عبارة «القانون لا يحمي المغفلين» على ألسنة الناس لسنوات طويلة، حتى تحولت في الوعي العام إلى ما يشبه القاعدة القانونية التي يُستند إليها كلما أخطأ شخص في تقدير موقف، أو وثق في غير موضع الثقة، أو أبرم تصرفًا دون أن يتدبر عواقبه.


لكن هل هذه العبارة موجودة فعلًا في القانون؟ وهل مجرد الوقوع في الخطأ يعني أن الإنسان فقد حقه في الحماية؟ وهل كل من تعرض للخداع أو التدليس كان ضحية «غفلته»؟


الحقيقة أن العبارة، رغم انتشارها، ليست نصًا قانونيًا ولا قاعدة مطلقة في التشريع المصري، وإنما هي مقولة شعبية يُراد بها في الغالب التحذير من التسرع والإهمال وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة.


أما القانون، فلا يتعامل مع الإنسان باعتباره «مغفلًا» أو «ذكيًا»، ولا يجعل حسن التقدير شرطًا للحصول على الحماية القانونية، وإنما ينظر إلى التصرف ذاته، وسلامة الإرادة، ومشروعية السلوك، والأدلة، ومدى توافر أركان المسؤولية المدنية أو الجريمة الجنائية.


وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الحقيقي: متى يكون الخطأ مجرد سوء تقدير يتحمل صاحبه نتيجته، ومتى يتحول إلى غلط أو تدليس أو استغلال أو احتيال يستوجب تدخل القانون؟


القانون وُضع لحماية الحقوق وليس لتجريد أصحابها منها


من المبادئ الأساسية في دولة القانون أن القواعد القانونية وُجدت لتنظيم العلاقات وحماية الحقوق وتحقيق التوازن بين المصالح المختلفة.


فالقانون لا يفترض أن جميع أفراد المجتمع يمتلكون القدر نفسه من المعرفة والخبرة والقدرة على التفاوض أو الدفاع عن مصالحهم في كل الظروف. ولهذا تتضمن المنظومة القانونية صورًا متعددة للحماية، منها ما يشمل الجميع، ومنها ما يرتبط بأشخاص أو فئات قد تكون قدرتهم على حماية مصالحهم أقل أو يكونون أكثر عرضة للاستغلال.


ومن هنا جاءت قواعد الأهلية وعيوب الإرادة وحماية المستهلك، إلى جانب تجريم الاحتيال وخيانة الأمانة والتزوير، وغيرها من القواعد التي لا تستهدف فقط معاقبة المخالف، وإنما حماية من وقع عليه الاعتداء وصون حقه في مواجهة من استغل ثقته أو ضعفه أو عدم قدرته على اكتشاف الخداع.


هل حماية الطرف الضعيف تتعارض مع مبدأ المساواة؟


قد يبدو للبعض أن منح حماية قانونية لشخص أكثر ضعفًا يمثل خروجًا على مبدأ المساواة، لكن المساواة القانونية لا تعني معاملة جميع الحالات بصورة متطابقة مهما اختلفت ظروفها.


المقصود هو وضع المراكز القانونية المتماثلة على قدم المساواة، مع إمكانية تقرير حماية خاصة عندما تفرض طبيعة المركز القانوني أو الواقعي ذلك.


ولهذا يقرر القانون أحكامًا خاصة لحماية ناقصي الأهلية، وينظم بعض المعاملات بما يوفر حماية للطرف الأضعف، ويواجه صورًا معينة من استغلال الثقة أو الاحتيال أو الاعتداء على أموال الغير.


فالعدالة لا تتحقق دائمًا بمجرد القول للطرف القوي والطرف الضعيف: «أنتما متساويان»، وإنما قد تتطلب وضع ضمانات تمنع استغلال فارق القوة أو المعرفة أو القدرة على الدفاع عن الحق.


سوء التقدير لا يمنح تلقائيًا حق إبطال العقد


هنا يجب التمييز بين الخطأ الذي يتحمله صاحبه، والخطأ الذي يرتبط بعيب قانوني في الإرادة.


فالأصل أن العقود الصحيحة تلزم أطرافها، وأن المتعاقد يتحمل نتائج اختياراته متى صدرت عنه إرادة حرة مستوفية للشروط القانونية.


فمن اشترى سلعة بسعر مرتفع ثم اكتشف أن سعرها في السوق أقل، أو دخل مشروعًا تجاريًا ثم تعرض للخسارة، أو أبرم عقدًا دون أن يقرأ جميع شروطه، لا يصبح بمجرد ذلك صاحب حق تلقائي في إبطال العقد أو تحميل الطرف الآخر مسؤولية خسارته.


القانون لا يضمن نجاح المعاملات، ولا يحول كل صفقة خاسرة إلى نزاع قابل للكسب.


لكن هذا الأصل لا يعني أن القانون يغلق أبواب الحماية أمام من ثبت أن إرادته قد شابها عيب من العيوب التي اعتد بها المشرع.


الغلط في القانون المصري.. متى يتحول الخطأ إلى مسألة قانونية؟


نظم القانون المدني المصري الغلط باعتباره من المسائل التي يمكن أن تؤثر في صحة الرضا، متى توافرت الشروط التي حددها القانون.


وليس كل خطأ سببًا لإهدار العقد، فالمسألة تتطلب النظر إلى طبيعة الغلط ومدى جوهريته وتأثيره في الإرادة والظروف التي أحاطت بإبرام التصرف.


لذلك، فإن مجرد القول «لقد أخطأت في التعاقد» لا يكفي وحده.


فالمسألة تحتاج إلى بحث طبيعة الخطأ ومدى تأثيره في الإرادة، وما إذا كان القانون يرتب عليه أثرًا في التصرف.


وهنا يظهر الفرق بين مجرد سوء التقدير وبين الغلط الذي يمكن أن تكون له آثار قانونية.


التدليس.. عندما يصنع شخص الخطأ لدى غيره


الأمر يختلف عندما لا يكون الشخص قد أخطأ من تلقاء نفسه، وإنما تم دفعه إلى الخطأ نتيجة وسائل احتيالية أو بيانات كاذبة أو إخفاء متعمد لواقعة جوهرية من الطرف الآخر.


في هذه الحالة قد نكون أمام تدليس كعيب من عيوب الإرادة، متى استوفت الواقعة شروطه القانونية.


والفارق هنا جوهري؛ فالشخص الذي أخطأ وحده ليس كالشخص الذي دُفع عمدًا إلى الخطأ.


ولهذا لا يمكن استخدام عبارة «القانون لا يحمي المغفلين» باعتبارها مبررًا تلقائيًا للتنصل من المسؤولية عندما يكون الخطأ نفسه قد صُنع أو تم استغلاله عمدًا.


متى يتحول الاستغلال إلى جريمة؟


الحماية القانونية لا تقف عند حدود القانون المدني، فقد تتجاوز الواقعة مسألة صحة العقد أو تنفيذ الالتزام إلى ارتكاب فعل يجرمه قانون العقوبات.


فإذا استخدم شخص وسائل احتيالية للاستيلاء على مال غيره، فقد نكون أمام جريمة نصب متى توافرت أركانها القانونية.


وقد تأخذ الأفعال صورًا أخرى، مثل خيانة الأمانة أو التزوير أو استعمال المحررات المزورة، بحسب ظروف الواقعة والأركان التي تتوافر فيها.


وهنا تظهر وظيفة القانون الجنائي في حماية المجتمع والأموال والمصالح والحقوق التي اعتبرها المشرع جديرة بالحماية، إلى جانب توقيع العقوبة على من تثبت مسؤوليته عن الفعل.


الضعف لا يعني الغفلة.. والثقة لا تجعل الاستغلال مشروعًا


هناك فارق مهم بين الضعف والغفلة.


فقد يكون الإنسان قليل الخبرة، أو محدود المعرفة بالشؤون القانونية، أو واقعًا تحت ضغط الظروف، أو غير قادر على اكتشاف وسائل الاحتيال التي يستخدمها شخص أكثر خبرة.


لكن لا يجوز أن يتحول ذلك إلى مبرر لمن استغل هذه الحالة.


فمتى توافرت شروط المسؤولية، فإنها تقع على من ارتكب الفعل غير المشروع، وليس على الضحية لمجرد أنها لم تكن قادرة على اكتشاف الخداع.


وهنا تتجلى إحدى أهم وظائف القانون: منع تحول تفاوت القوة أو المعرفة إلى وسيلة للعدوان على الحقوق.


القانون يحمي الضعفاء.. لكنه لا يعفيهم من مسؤولية اختياراتهم


حماية الطرف الضعيف لا تعني أن القانون ينحاز إليه لمجرد كونه ضعيفًا، ولا تعني إعفاءه من جميع النتائج القانونية المترتبة على تصرفاته.


المقصود أن القانون يضع ضمانات تحول دون استغلال حالة الضعف متى كان هذا الاستغلال مما اعتد به القانون ورتب عليه أثرًا.


وفي المقابل، لا يجوز للطرف القوي أن ينظر إلى ضعف الطرف الآخر باعتباره فرصة مشروعة لتحقيق منفعة غير عادلة أو الوصول إلى مال أو حق بوسيلة غير مشروعة.


فالقانون لا يحمي طرفًا لمجرد صفته، وإنما يحمي الحق والمركز القانوني المشروع، ويمنع الاعتداء والاستغلال متى توافرت شروط التجريم أو المسؤولية.


القضاء لا يحاكم «السذاجة».. وإنما يبحث في الأفعال


ليس في القانون جريمة مستقلة اسمها «السذاجة»، ولا توجد عقوبة لمجرد أن الإنسان وثق في شخص آخر.


المحكمة لا تبحث عن مدى ذكاء الشخص أو درجة حسن تقديره، وإنما تنظر إلى الواقعة والأفعال والأدلة والنص القانوني المنطبق.


ومن بين العناصر التي تدخل في التقييم:


- الواقعة محل النزاع.

- السلوك الصادر عن كل طرف.

- سلامة الإرادة.

- الأدلة المقدمة.

- النص القانوني المنطبق.

- توافر أركان المسؤولية المدنية أو الجنائية.


ومن ثم، فإن وصف شخص بأنه «مغفل» لا يترتب عليه أثر قانوني في ذاته.


بين استقرار العقود وحماية الطرف الضعيف


هنا يوازن القانون بين مصلحتين أساسيتين: استقرار المعاملات من ناحية، وحماية الحقوق وسلامة الإرادة من ناحية أخرى.


فلو أصبح كل متعاقد قادرًا على إبطال العقد لمجرد الندم أو سوء التقدير، لفقدت المعاملات استقرارها.


وفي المقابل، لو تُرك المجال لمن يستغل جهل الآخرين أو ضعفهم أو ثقتهم، لتحولت الحماية القانونية إلى مجرد نصوص لا أثر لها في الواقع.


ولهذا يضع المشرع ضوابط تحدد متى يستحق الشخص الحماية، ومتى يتحمل نتيجة اختياره.


الحماية المدنية والجنائية.. حماية واحدة للحقوق


الحماية القانونية ليست طريقًا واحدًا.


فقد تكون مدنية عندما يتعلق الأمر بإبطال عقد أو حماية الإرادة أو التعويض عن الضرر، وقد تكون جنائية عندما يتجاوز السلوك حدود المنازعة المدنية ويشكل جريمة مكتملة الأركان.


وفي بعض الوقائع يمكن أن تجتمع الحمايتان معًا.


والغاية في النهاية ليست حماية «المغفل» باعتباره مغفلًا، وإنما حماية الإنسان وحقه المشروع من الاعتداء والخداع والاستغلال، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار المعاملات وتحميل كل شخص مسؤولية اختياراته المشروعة.


الخلاصة: القانون لا يعاقب الإنسان لأنه أخطأ


من هنا، يتضح أن عبارة «القانون لا يحمي المغفلين» ليست قاعدة قانونية، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتبرير استغلال الضعفاء أو التنصل من حماية من تعرض للغش أو التدليس أو الاحتيال.


وفي الوقت نفسه، فإن الحماية القانونية لا تعني إعفاء الإنسان من نتائج إهماله أو سوء تقديره؛ فالعقد الصحيح يظل ملزمًا، والخسارة التجارية لا تصبح جريمة لمجرد وقوعها، والنزاع المدني لا يتحول تلقائيًا إلى مسؤولية جنائية.


لكن عندما تتجاوز الواقعة مجرد الخطأ إلى غلط جوهري أو تدليس أو إكراه أو استغلال أو احتيال أو خيانة أمانة أو تزوير، فإن القانون يتدخل وفقًا للقواعد التي وضعها المشرع.


ولهذا أرى أن السؤال الأدق ليس: «هل القانون يحمي المغفلين؟»، وإنما: هل يحمي القانون الإنسان عندما يُستغل ضعفه أو ثقته أو عدم خبرته؟


القانون لا يقيس قيمة الإنسان بدرجة ذكائه، ولا يجعل الخطأ الإنساني سببًا لفقدان الحماية، وإنما يزن الوقائع وفقًا للقانون.


فليس من العدل أن نعاقب الضحية لأنها وثقت، وليس من العدل كذلك أن نعفي الإنسان من نتائج اختياراته لمجرد أنه ندم عليها.


وبين هذين الحدين تقوم العدالة: حماية من يحتاج إلى حماية، ومسؤولية على من أساء الاختيار، ومساءلة لمن استغل الثقة أو الضعف أو ارتكب فعلًا غير مشروع.


وفي النهاية، فإن القانون لا يحمي «المغفلين» لأنهم مغفلون، ولا يتخلى عنهم لأنهم أخطأوا؛ وإنما يحمي الإنسان وحقوقه، ويحمي الضعيف من الاستغلال، ويحاسب المعتدي على قدر ما ارتكبه من فعل غير مشروع.